مقالات

تيك توك.. سوق النخاسة في ثوب الحداثة

TikTok.. A Slave Market in the Guise of Modernity

بقلم: جيهان رفاعى
لم يعد الأمر لهواً عابراً يستدر البسمات، أو رواحاً نفسياً يبدد الساعات؛ بل غدا هذا الفضاء الأزرق الموسوم بـ “التيك توك” في كنانة الله مصر ساحة مشحونة بالفتن، ومستنقعاً تباع فيه المبادئ بأبخس الأثمان! فبين عشية وضحاها، نمقت مظاهر شائهة دخيلة تمرق على عادات البيت المصرى وتقاليده، ونعجب لثراء فاحش يميد بأصحابه في سيارات فارهة وقصور باذخة، دون كد يسبقه، أو سعي في مناكب الأرض يحققه!ولقد طال لهف الملايين في مصر بالسؤال المشحون: “من أين غدا هؤلاء يكنزون المال المكنون؟” فأجابت أحكام القضاء وتحقيقات الأجهزة الغراء، كاشفة عن الوجه الكالح لهذه الثروات، والستار المرخى على المحرمات.
فما كان ذاك السيل المالي ثمرة مشاهدات عفيفة، بل بثاً للغواية المعيبة، وجولات تريق دماء الكرامة نظير تبرعات رقمية مريبة؛ فتحولت تلك المنصات غطاء لـ “غسيل الأموال” المحظور، وتهرباً من الفرض المهدور؛ مما حدا بحماة الأمن أن يضربوا بالحديد والنار على أيدي العابثين بالاستقرار.
وأما على صعيد الناس والعادات، فقد هوت الشهامة إلى دركات أو مهاوى التسول الرقمي الفاضح، وانتهكت البيوت حرماتها لكل غاد ورائح! فهولاء فتيان تجتمع على مذلة النفس ابتغاء العرض الزائل، وتلك بيوت تكشف خبايا الخلافات الزوجية لتنال ود المشاعر المعلولة.
لقد تكابلت تلك المنصات على رفع ذكر “كل صادم غريب”، وخفض كل صالح لبيب؛ حتى صار السفهاء في أعين الجيل القادم خير قدوة، وساد المنكر حسب فهمهم حظوة وقوة.
لم يكن القضاء المصرى ليدع الفوضى تعيث في أرض الكرامة فساداً، فجاءت أحكامه المهيبة شهباً يرجم بها معاقل الرذيلة، وقواصع تحيي نفوس العائلات النبيلة.
فما كان العدل ليحارب العلم والتقنية، وإنما نفى الخبث الذي يهدم كيان الأسرة المصونة.
فقد نظرت في حال الناس اليوم، فإذا بي أمام مرآةٍ مشروخة، تعكس وجوهًا ما عهدناها، وأصواتًا ما ألفناها، في هذه الساحةٍ التى يسمونها “تيك توك”، وما هي إلا سوق قام، ومزاد سام، يُباع فيه الحياء بثمنٍ بخس، ويُشترى فيه الانحلال بعرضٍ خسيس.
دخلتُ هذا العالم، فما وجدتُ عالمًا، بل وجدتُ مستنقعًا يموج بالقاذورات، وحانةً تعج بالساقطات والساقطين. وجدتُ رجالًا قد خلعوا ثوب الرجولة، ونساءً قد نزعن برقع الحياء، يتراقصون على أنغام المال الحرام، ويتمايلون على إيقاع الدعم المسموم.
رأيتُ فتاة قد نصبت هاتفها في مخدعها، في غرفة نومها، حيث لا يجوز أن يطلع عليها إلا محرم، فإذا بها تعرض فراشها، وتكشف سترها، وتقص على الغرباء أسرار بيتها، وتُقدم جسدها قربانًا لداعم مجهول، يرمي لها بوردةٍ رقمية، فتبيع له كرامة حقيقية. ورأيتُ أما تجرُّ أطفالها الصغار أمام الكاميرا، تُعلمهم السباب، وتلقنهم البذاءة، من أجل حفنةِ عملاتٍ تتطاير على الشاشة، كأنها تبيع فلذات كبدها في سوق النخاسة الحديث.
وهناك، في زاويةٍ أخرى من هذا المستنقع، قومٌ لا موهبة لهم ولا رسالة، إلا التفاهة والسفاهة، يصرخون بألفاظٍ تخدش الحياء، وتجرح الفضيلة، وتسمم آذان أبنائنا وبناتنا، أبناؤنا الذين كنا نحرص أن لا يسمعوا كلمةً نابية، فإذا بهم اليوم يستمعون لقاموسٍ كاملٍ من الفحش، يتدفق من شاشة صغيرةٍ في أيديهم ليل نهار.
ثم تأملتُ في البيت، فوجدتُ البيت قد استقال!وهذه هي الطامة الكبرى، والمصيبة العظمى. أين الأب الذي كان حارسًا؟ وأين الأم التي كانت مدرسة؟ لقد سلمنا أبناءنا لخادمٍ جديد، اسمه الهاتف، ومربٍ جديد، اسمه الترند. تركنا الحبل على الغارب، فنشأ الصغير وقلبه فارغ، وعقله سارح، يرضع من ثدي التفاهة، ويشرب من كأس الرذيلة.
إن اللوم ليس على الساقط وحده، بل على من فتح له الباب، وفرش له البساط، وترك له الأبناء ليعلمهم كيف يسقطون.ورأيتُ في الجانب الآخر من الصورة، مظلومًا يبكي في صمت.
رأيتُ شابًا يحفظ كتاب الله، وآخر يشرح مبحث علم، وثالثًا يرسم لوحةً من فنٍ رفيع، ورابعًا يقدم نصيحةً لشبابٍ حائر، فإذا بخوارزميات تلك المنصة تدفنهم دفنًا، وتخفي نورهم خفيًا، لأنها آلةٌ لا تحب الفضيلة، بل تعشق الرذيلة، ولا تروج للعلم، بل تروج للعري. فأصبح المبدع منبوذًا، وأضحى التافه محبوبًا، وتلك حكمة عمياء، وقسمة هوجاء.
ثم وجدتُ الداء الأكبر، وهو الإدمان.ما عاد الأمر مجرد مشاهدةٍ عابرة، بل صار قيدًا وسجنًا، وإدمانًا ووهنًا. يجلس الفتى الساعات الطوال، يقلب بإبهامه، وعمره يذبل، ووقته يضيع، ونومه يهرب، وعينه تذبل من سهر، وعقله يكل من تفاهة.
سرقوا منه تركيزه، ونهبوا منه وقته، حتى صار أسير شاشة، سجين غرفة، لا يقرأ كتابًا، ولا يحفظ درسًا، ولا يجالس أهلاً.وسألتُ عن المال، من أين يأتي وإلى أين يمضي؟ فقيل لي: إنه غسيلٌ للأموال، وتدوير للحرام، وتجارة في الظلام، يدعم فيها المجهول، ويثري فيها التافه، حتى صار الرويبضة نجمًا، وغدا السفيهُ عَلَمًا، وأصبح مشاهيرُ هذا الزمان بلا علمٍ ولا أدبٍ ولا قيمة، شهرةٌ من ن السبيل؟إن الدولة وحدها هي الحارس الأمين، والسيف المتين. وقد رأينا يد الدولة تمتد، يدٌ من حديدٍ، تتصدى لهذا العبث، وتطارد هؤلاء العابثين، تُغلق حسابًا يفسد الذوق، وتُحاسب يدًا تلوث العقول، وتسن قانونًا يحمي النشء، ويصون الأسرة، ويحفظ للشارع هيبته، وللبيت حرمته. وما ذلك إلا لأن الدولة تعلم أن ترك الحبل على الغارب، يجعل من المنصة وبالًا، ويجعل من الحرية فوضى، ومن الانفتاح انحلالا. ونحن نريد لهذه المنصة أن تكون نافعة لا مضرة، ومنارةً لا مستنقعًا، أن تكون للعلم لا للجهل، وللأدب لا للسفه، وللفن لا للعري.
وهناك منصةٍ أخرى، عريقةٍ رصينة، هي “فيسبوك”، منصةٌ احترمت عقل المتابع، وصانت حرمة البيوت، فبقيت محترمةً في أعين الناس، موقرةً في قلوبهم، لأنها جعلت للكلمة ميزانًا، وللصورة عنوانًا، وللحياء مكانًا، فهي مجلس أدب، لا سوق عجب. فشتان بين منصةٍ تبني، ومنصةٍ تهدم، وبين مجلسٍ يهذب الروح، وسوقٍ يبيع الجسد.فيا أيها الآباء وأولى النهى، أغلقوا الأبواب قبل أن تعصف الريح، وصونوا الأبناء قبل أن يضيع الطريق، فالشاشة اليوم هي المربي، والمنصة هي المعلم، فاختاروا لمربي أبنائكم من يخشى الله فيهم.
إن الخطب جليل، والحمى مستباح إن لم يكن لكم على أولادكم رقيب؛ فاصرفوا أبصارهم عن هذا اللهاء، فإن المروءة حصن المجتمع الأعظم، والأخلاق قوام الأمم.
لا يتوفر وصف للصورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى