مقالات

ماذا لو نفّذ الحرس الثوري تهديداته بقطع كابلات الإنترنت؟ العالم أمام شلل رقمي محتمل

كتب : عبدالعزيز حسن

لم يعد الصراع في الشرق الأوسط مقتصرًا على الصواريخ والطائرات المسيّرة والسفن الحربية، بل أصبح يمتد إلى ساحة أخرى لا تقل خطورة، وهي البنية التحتية الرقمية التي يعتمد عليها العالم في إدارة اقتصاده واتصالاته ومعاملاته اليومية. فماذا لو تحولت التهديدات المنسوبة إلى الحرس الثوري الإيراني بشأن كابلات الإنترنت إلى واقع، ووجد العالم نفسه أمام محاولة لتعطيل شرايين الاتصال التي تربط القارات بعضها ببعض؟

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى أزمة تقنية تخص شركات الاتصالات، لكن الحقيقة أن تداعياته المحتملة قد تتجاوز ذلك بكثير، لتصل إلى البنوك والبورصات والتجارة الدولية والخدمات الحكومية وحتى حياة المواطنين العاديين.
كابلات الإنترنت.. شرايين العالم الخفية
يعتمد جزء كبير من حركة البيانات الدولية على كابلات الألياف الضوئية الممتدة تحت البحار والمحيطات. وتحمل هذه الكابلات الاتصالات بين الدول، وتدعم الخدمات المصرفية والتجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية وتبادل المعلومات بين المؤسسات والشركات.
وعلى الرغم من أن الأقمار الصناعية تؤدي دورًا مهمًا في الاتصالات، فإنها لا تستطيع ببساطة تعويض السعة الهائلة التي توفرها الكابلات البحرية لحركة البيانات العالمية.
وتزداد أهمية هذه الشبكة في المناطق التي تمثل ممرات استراتيجية للاتصالات بين آسيا وأوروبا، حيث يمكن لأي اضطراب واسع النطاق أن يفرض ضغوطًا على مسارات الاتصال البديلة، ويرفع تكاليف نقل البيانات، ويؤدي إلى بطء الخدمات أو انقطاع بعضها.
لكن يجب التمييز بين التهديد السياسي والقدرة الفعلية على تعطيل الشبكة؛ فليس كل تهديد يعني أن التنفيذ وشيك، كما أن قطع كابل واحد لا يعني انقطاع الإنترنت عن العالم كله.
 ماذا سيحدث إذا نُفّذت التهديدات؟
أولًا: اضطراب الخدمات المالية والمصرفية
قد تواجه بعض المؤسسات المالية تأخيرات في الاتصالات الدولية وتسوية المعاملات وتشغيل الأنظمة المعتمدة على مراكز بيانات خارج حدودها. وقد تتعرض أسواق المال لضغوط إضافية إذا تزامن الاضطراب مع تصعيد عسكري أو حالة من الذعر بين المستثمرين.
ومع ذلك، لن تتوقف جميع البنوك أو المعاملات بالضرورة؛ إذ تمتلك مؤسسات كثيرة أنظمة احتياطية ومسارات اتصال بديلة، ويعتمد حجم الضرر على نطاق القطع ومواقع الكابلات المتضررة ومدى جاهزية تلك الأنظمة.
ثانيًا: ضربة للتجارة الإلكترونية والشركات الرقمية
قد تتأثر المتاجر الإلكترونية ومنصات الدفع والاجتماعات عن بُعد والخدمات السحابية التي تعتمد على الاتصال بين قارات مختلفة. كما قد تواجه الشركات متعددة الجنسيات صعوبات في الوصول إلى أنظمتها وبياناتها، خصوصًا إذا كانت بنيتها التقنية مركّزة في مناطق محدودة.
وفي عالم يعتمد فيه العمل والتجارة على الاتصال المستمر، يمكن أن تتحول ساعات من الاضطراب إلى خسائر مالية وتأخيرات تشغيلية يصعب تقديرها مسبقًا.
ثالثًا: ارتفاع تكلفة الاتصالات واضطراب الإنترنت
إذا خرجت كابلات رئيسية من الخدمة، فقد تضطر حركة البيانات إلى المرور عبر مسارات بديلة أطول أو أكثر ازدحامًا. وقد ينتج عن ذلك ارتفاع زمن الاستجابة وتراجع السرعات وزيادة تكاليف السعة الدولية في بعض المناطق.
لكن التأثير لن يكون متساويًا؛ فالدول والشركات التي تمتلك تنوعًا في مسارات الكابلات واتفاقيات احتياطية ستكون أقدر على امتصاص الصدمة من المناطق التي تعتمد على عدد محدود من الوصلات الدولية.
رابعًا: هل يمكن أن تتأثر مصر والمنطقة العربية؟
تقع مصر في موقع استراتيجي مهم ضمن مسارات الاتصالات الدولية التي تربط آسيا بأوروبا، وهو ما يجعل أمن البنية التحتية الرقمية مسألة ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية للدولة المصرية.
وفي حال حدوث اضطرابات واسعة في الكابلات البحرية الإقليمية، فقد تواجه بعض خدمات الإنترنت الدولية في مصر والمنطقة العربية بطئًا أو ارتفاعًا في زمن الاستجابة، بحسب الكابلات المتضررة والمسارات البديلة المتاحة. وقد تتأثر شركات الاتصالات ومراكز البيانات والمؤسسات التي تعتمد على نقل المعلومات بين القارات.
لكن هذا لا يعني بالضرورة انقطاع الإنترنت عن مصر؛ فحجم التأثير يتوقف على طبيعة الحادث، ومدى تضرر المسارات، وقدرة مشغلي الاتصالات على تحويل حركة البيانات إلى مسارات أخرى.
خامسًا: هل يتحول الإنترنت إلى سلاح في الحرب؟
إذا استُخدمت البنية التحتية للاتصالات وسيلةً للضغط السياسي أو العسكري، فإن الصراع سيدخل مرحلة أكثر تعقيدًا؛ لأن الضرر لن يقتصر على الخصم المباشر، بل قد يمتد إلى دول وشركات ومواطنين لا علاقة مباشرة لهم بالمواجهة.
كما أن إلحاق الضرر بكابلات بحرية لا يضمن تحقيق مكاسب استراتيجية؛ فقد يؤدي إلى ردود فعل دولية، وتشديد إجراءات حماية البنية التحتية، وزيادة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على الطرف المسؤول.
وهنا تظهر خطورة الحرب الرقمية: فالدولة التي تسعى إلى إضعاف خصمها قد تجد نفسها أمام تداعيات إقليمية ودولية أوسع من النتائج التي كانت تتوقعها.
 هل يستطيع العالم تحمّل انقطاع الإنترنت؟
الإجابة تعتمد على حجم الاضطراب ومدته. فالشبكة العالمية مصممة بقدر من التكرار والمرونة، وتوجد كابلات متعددة ومسارات بديلة يمكن أن تستوعب جزءًا من حركة البيانات عند تعطل بعض الوصلات.
لكن هذه المرونة ليست مطلقة. فإذا تضررت عدة كابلات في منطقة استراتيجية واحدة، فقد تصبح المسارات البديلة غير كافية، وقد يستغرق إصلاح الكابلات المتضررة وقتًا بسبب الحاجة إلى سفن متخصصة وظروف بحرية مناسبة وتصاريح تشغيلية وأمنية.
وتكمن المشكلة الكبرى في احتمال تزامن الأضرار مع هجمات إلكترونية أو تصعيد عسكري أو اضطرابات في الطاقة والاتصالات، وهو ما قد يضاعف الخسائر ويصعّب الاستجابة للأزمة.
 ثلاثة سيناريوهات محتملة
-السيناريو الأول: اضطراب محدود.* يتضرر كابل أو عدد محدود من الكابلات، وتتمكن الشركات من تحويل معظم حركة البيانات إلى مسارات أخرى، مع ظهور بطء مؤقت في بعض المناطق.
– السيناريو الثاني: أزمة إقليمية.* تتعطل عدة مسارات حيوية في منطقة واحدة، فتزداد الضغوط على شبكات الاتصالات والخدمات الرقمية، وتواجه الشركات تكاليف إضافية وخسائر تشغيلية.
– السيناريو الثالث: تصعيد واسع النطاق.* تتزامن الأضرار مع هجمات إلكترونية واضطرابات أخرى في البنية التحتية، فتتفاقم المخاطر على الخدمات المالية والتجارة والاتصالات الدولية، وتصبح الأزمة جزءًا من مواجهة جيوسياسية أوسع.
هذه سيناريوهات افتراضية لتوضيح حجم المخاطر، وليست توقعًا مؤكدًا لما سيحدث أو دليلًا على قرب تنفيذ أي تهديد.
 الخلاصة: معركة على شرايين الاقتصاد العالمي
إن أخطر ما في التهديد باستهداف كابلات الإنترنت ليس مجرد احتمال بطء الشبكة أو انقطاع بعض الخدمات، بل كشف مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على بنية تحتية قد تبدو بعيدة عن أعين الناس، لكنها تتحكم في جانب كبير من تفاصيل حياتهم.
ومن هنا، فإن حماية الكابلات البحرية، وتنويع مسارات الاتصال، وتطوير خطط الطوارئ، وتعزيز التعاون الدولي، لم تعد قضايا تقنية هامشية، بل أصبحت جزءًا من الأمن القومي والاقتصادي للدول.
وفي ظل التوترات الإقليمية، يبقى السؤال الأهم: هل يدرك العالم أن الحرب الحديثة لم تعد تُخاض فقط في البر والبحر والجو، بل يمكن أن تمتد أيضًا إلى الكابلات الممتدة في أعماق البحار، حيث تمر البيانات التي تحرك الاقتصاد العالمي؟
فإذا كانت الصواريخ تستطيع تدمير منشآت، فإن تعطيل شرايين الاتصال قد يضعف قدرة المؤسسات على العمل، ويكشف هشاشة عالم أصبح يعتمد على الاتصال الرقمي في كل شيء تقريبًا.*
تنويه تحريري: يتناول المقال سيناريو افتراضيًا. وينبغي التحقق من نص التهديد المنسوب إلى الحرس الثوري الإيراني ومصدره وتاريخه قبل نشره باعتباره خبرًا مؤكدًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى