مقالات
خيوط اللعبة الكبرى: ما يحدث في العالم صدف عشوائية أم لإعادة تشكيل خريطة النفوذ العالمي

كتب : عبدالعزيز حسن
لم يعد المشهد العالمي مجرد مجموعة من الأحداث المتفرقة التي تقع هنا وهناك، بل أصبح لوحة شديدة التعقيد تتداخل فيها الحروب والصراعات السياسية والاضطرابات الشعبية، وتتشابك فيها مصالح الدول الكبرى والقوى الإقليمية، بما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة: هل ما يشهده العالم مجرد نتيجة طبيعية لتراكم الأزمات، أم أن بعض هذه الأحداث يجري استغلالها ضمن خطط استراتيجية لإعادة توزيع النفوذ والثروة والقوة؟
من شوارع فرنسا المضطربة، إلى المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، مرورًا بالسعودية واليمن، يبدو العالم وكأنه يقف أمام مرحلة جديدة تتغير فيها قواعد اللعبة السياسية، وتتراجع فيها قدرة بعض الدول على حماية استقرارها، بينما تسعى قوى أخرى إلى توسيع نفوذها وتأمين مصالحها.
فرنسا المشتعلة: انفجار الداخل الأوروبي وتآكل النموذج الاجتماعي لم تكن المظاهرات الحاشدة واشتباكات الشوارع التي شهدتها فرنسا مؤخراً مجرد رد فعل عابر على ارتفاع تكاليف المعيشة أو أزمات التضخم الاقتصادية.
إنها تعبير عن أزمة أعمق تتعلق بتصدع النموذج الاجتماعي الأوروبي بأكمله.
تآكل الطبقة الوسطى: السياسات الاقتصادية والتحولات المالية العالمية تضغط بشكل متواصل على المواطن الأوروبي البسيط، مما يولد احتقاناً اجتماعياً هائلاً.
ضعف الأنظمة التقليدية: تبدو الحكومات الأوروبية عاجزة عن تقديم حلول حقيقية، مما يفتح الباب أمام صعود تيارات متطرفة وفوضى منظمة في الشوارع، وهو ما يضعف القرار الأوروبي ويجعله أكثر تبعية لتوجهات الكبار على الساحة الدولية.
شرق الأوسط على صفيح ساخن: رقعة شطرنج إيران، إسرائيل، وأمريكا على الجانب الآخر من المتوسط، تتشابك خيوط الصراع الإقليمي لتشمل مواجهات مفتوحة ومركبة بين المحور الإيراني من جهة، والتحالف الأمريكي- الإسرائيلي من جهة أخرى، مع امتداد ألسنة اللهب إلى اليمن عبر الضربات والتوترات المستمرة التي تقودها جماعة الحوثي، وما يتبعها من تهديدات أمنية تطال دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
حروب الوكالة والسيطرة: لم يعد الصراع مجرد ردود فعل عسكرية، بل تحول إلى إعادة ترسيم شاملة لموازين القوى في المنطقة، حيث تُستخدم التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي جنباً إلى جنب مع حروب الاستنزاف.
ورقة الخليج واليمن: دخول أمن السعودية واليمن في دائرة التجاذبات المستمرة يعكس رغبة أطراف دولية في إبقاء شرايين الطاقة والتجارة العالمية رهينة لحالة “اللا سِلم واللا حرب”، لضمان بقاء النفوذ وتح2د الإيراني وفق قواعد تحكمها واشنطن وتل أبيب.
هندسة الفوضى: هل هي مخططات مرسومة ؟
حين نضع الأحداث جنباً إلى جنب: (أزمات أوروبا واهتزاز جبهتها الداخلية +الحروب المفرغة للطاقة والموارد في الشرق الأوسط + إعادة صياغة أمن الطاقة)، تبرز بوضوح نظرية “الفوضى الخلاقة” أو الهندسة الجيوسياسية الممنهجة:إعادة تدوير الأزمات الاقتصادية: إن إشغال العالم بأزمات الطاقة، والحروب، والانهيارات المعيشية، يمنح القوى العظمى القدرة على تمرير سيطرتها المالية والتقنية، وإعادة توزيع ثروات الدول الكبرى والصغرى على حد سواء.
إنهاك الخصوم والحلفاء على السهل: إبقاء الشرق الأوسط في حالة حرب استنزاف مستمرة يمنع أي محاولة لظهور قوة إقليمية مستقلة تمتلك قرامها التكنولوجي أو العسكري، بينما إشغال أوروبا باحتجاجاتها الداخلية يمنعها من التحول إلى قطب عالمي منافس ومستقل عن القرار الأمريكي.
التحول نحو نظام عالمي جديد: لا شيء يعيد تشكيل الخرائط ويفرض قواعد جديدة مثل “الحرب الشاملة” و”الضغط الاقتصادي”. فكل صاروخ يُطلق في الشرق الأوسط، وكل متظاهر يقطع الشوارع في باريس، يمثلان تروساً في آلة ضخمة تهدف إلى إنتاج “نظام عالمي جديد” تكون فيه سيادة الدول الوطنية قد تآكلت لحساب الكيانات الكبرى والشركات العابرة للقارات.
الخاتمة : ما يبدو للعين المجردة كفوضى عارمة واضطرابات عشوائية لا تعدو كونها في كثير من الأحيان فصولاً مرسومة بعناية ضمن استراتيجيات صراع النفوذ الدولي. إن ربط الأحداث في فرنسا بما يجري في إيران واليمن والسعودية يثبت أن العالم أصبح قرية صغيرة مترابطة الأزمات؛ حيث يُهندس الخراب في مكان ليخدم أهداف السيطرة في مكان آخر.
وبين صراع الكبار وتضحيات الشعوب، يبقى السؤال معلقاً: إلى أي مدى ستستمر هذه الهندسة، ومتى يدرك العالم أن ثمن هذه المخططات يُدفع من دماء ومستقبل الشعوب وحدها؟



