مقالات

النوتة الأخيرة

بقلم نيفين صلاح
جلس سالم في المقهى الذي اعتاد زيارته كل يوم وأخرج مفكرته الصغيرة التي رافقته لسنوات طويلة. كانت تلك المفكرة تحتفظ بأفكاره وأحلامه المؤجلة ورسومات لمشروعات لم يفكر يوما في تنفيذها.
وبينما كان يتصفح صفحاتها رن هاتفه ليخبره أحد مسؤولي الشركة التي عمل بها طوال عمره أن خدماته قد انتهت ضمن خطة لتقليص عدد الموظفين.
عاد سالم إلى منزله مثقلا بالهموم ولم يستطع إخفاء حزنه عن زوجته. فقد شعر أن سنوات عمره ضاعت فجأة وأنه أصبح مضطرا إلى البدء من الصفر في وقت لم يعد يعرف فيه من أين يبدأ.
في تلك الليلة فتح مفكرته القديمة وراح يقلب صفحاتها حتى توقف عند رسم لطاولة خشبية كتب بجواره أنه يتمنى يوما أن يمتلك ورشة صغيرة لصناعة الأثاث.
وبينما كان يتأمل الرسم وقعت عيناه على عبارة كتبها منذ سنوات تقول إذا أغلق باب فلا تنس أن تنظر إلى النوافذ.
شعر سالم أن العبارة تخاطبه في تلك اللحظة فقرر أن يمنح حلمه القديم فرصة جديدة.
بدأ بتنظيف المرآب الملحق بمنزله وحوله إلى ورشة صغيرة واستدان مبلغا بسيطا لشراء الأدوات اللازمة. لم تكن البداية سهلة فقد أخفق في أولى محاولاته وخسر بعض المال عندما ألغى أحد العملاء طلبه.
كل مرة كان يشعر فيها بالإحباط يعود إلى مفكرته ليسجل أخطاءه ويبحث عن طريقة لتجنبها بمرور الوقت تحسنت مهارته وبدأت منتجاته تجذب العملاء حتى استطاع توسيع مشروعه وتحويله إلى عمل ناجح.
وبعد عام شارك سالم في معرض للحرف اليدوية ووقف أمام جناحه يتأمل قطع الأثاث التي صنعها بيديه.
اقترب منه شاب أعجب بإحدى الطاولات وسأله عن سر نجاحه.
أخرج سالم مفكرته القديمة وفتح صفحاتها المليئة بالرسومات والملاحظات ثم ابتسم قائلا إن النجاح لم يبدأ في الورشة بل بدأ يوم قرر أن يؤمن بحلمه ويمنحه فرصة حقيقية.
غادر الشاب وهو يفكر في كلماته بينما أغلق سالم مفكرته برفق وأدرك أن خسارة وظيفته لم تكن نهاية الطريق بل كانت بداية لاكتشاف نفسه من جديد.
فبعض الدفاتر لا تحفظ أفكارنا فقط بل تحفظ أحلامنا المؤجلة وتذكرنا بأن الفرصة قد تبدأ من صفحة صغيرة نكتب عليها ما نؤمن به قبل أن نمتلك الشجاعة لتحقيقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى